سيد محمد طنطاوي
339
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ . وإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ . الاستفهام في قوله - تعالى - الذي حكاه عنهم * ( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) * للإنكار والنفي . أي : لا أحد أقوى منا ، فنحن في استطاعتنا أن ندفع كل عذاب ينزل بنا ، وهذا هو الشعور الكاذب الذي يشعر به الطغاة الجاهلون في كل زمان ومكان . وقد رد اللَّه - تعالى - عليهم وعلى أمثالهم ردا منطقيا حكيما يخرس ألسنتهم فقال : * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ، وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) * . أي : أعموا وصموا عن الحق ، ولم يعلموا أن اللَّه - تعالى - الذي أوجدهم من العدم ، هو - سبحانه - أشد منهم قوة وبأسا . إنهم لغرورهم وجهالاتهم نسوا كل ذلك ، وكانوا بآياتنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا يجحدون ، ويعاندون وينكرون الحق الذي جاءتهم به رسلهم . ثم حكى - سبحانه - ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم ، وبسبب غرورهم وبطرهم فقال : * ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ ، لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . . ) * . ولفظ « صرصرا » من الصر - بفتح الصاد - وهو شدة الحر ، أو من الصر - بكسر الصاد - وهو شدة البرد الذي يقبض البدن ، أو من الصرة التي هي الصيحة المزعجة ، ومنه قوله - تعالى - فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُه فِي صَرَّةٍ . . . أي : في صيحة . ولا مانع من أن تكون هذه الريح التي أرسلها اللَّه - تعالى - عليهم ، قد اجتمع فيها الصوت الشديد المزعج ، والبرد الشديد القاتل . وقوله : * ( نَحِساتٍ ) * جمع نحسة - بفتح النون وكسر الحاء - صفة مشبهة من نحس - كفرح وكرم - ضد سعد . أي : فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الهبوب والصوت ، وشديدة البرودة أو الحرارة في أيام نحسات أو مشئومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم في الحياة الدنيا . * ( ولَعَذابُ الآخِرَةِ أَخْزى ) * أي : أشد خزيا وإهانة لهم من عذاب الدنيا . * ( وهُمْ لا يُنْصَرُونَ ) * أي : وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم هذا العذاب بحال من الأحوال .